المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية National Center For Mental Health Promotion
مرئى
القائمة الرئيسية

حين لم يَعُدِ الداخل يحتمل: رحلة الألم النفسي قبل التفكير بالانتحار

حين لم يَعُدِ الداخل يحتمل: رحلة الألم النفسي قبل التفكير بالانتحار


بعض الناس لا يريدون الموت، بل يريدون فقط أن يتوقف الألم. حين يعاني الإنسان وجعًا نفسيًّا داخليًّا لا يُحتمل، يصبح التفكير بالانتحار خيارًا مطروحًا. هذا الألم قد لا يكون ناتجًا فقط عن الاكتئاب، بل عن شعور داخلي عميق يُعرف في علم النفس باسم الوجع النفسي، وهو حالة من الضيق العاطفي الشديد والشعور بالعجز وفقدان المعنى.

ما الوجع النفسي؟
الوجع النفسي هو شعور عميق بالألم الداخلي لا يظهر بالضرورة في الفحوصات النفسية التقليدية. يُوصف بأنه عذاب داخلي ناتج عن مشاعر مثل الذنب، الخزي، الخسارة، الوحدة، انعدام الأمل.
هذا النوع من الألم قد يكون هو العامل الرئيس الذي يدفع الشخص إلى التفكير في الانتحار، حتى عندما لا تظهر عليه أعراض الاكتئاب بوضوح.


العلاقة بين الوجع النفسي والانتحار :
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الوجع النفسي يُعَد مؤشرًا أقوى على خطر الانتحار من الاكتئاب نفسه.
عديد من الأشخاص الذين حاولوا الانتحار قالوا إنهم لم يريدوا الموت، بل أرادوا فقط التوقف عن الشعور بهذا الألم العاطفي الذي لا يهدأ.

لماذا يتضخم الألم؟
من أبرز الأسباب النفسية التي تزيد من هذا الألم:
• الشعور بأن الشخص عبء على الآخرين، كأن يعتقد أنه يُسبب الأذى أو الإرهاق لمن حوله.
• الإحساس بالوحدة، أو أن لا أحد يفهمه أو يهتم له.


عندما يجتمع هذان الشعوران، يشعر الإنسان أن حياته لا تعني أحدًا، وأن غيابه قد يكون أفضل من وجوده.
هذه العوامل تُشكل ما يُعرف في علم النفس بنظرية ترى أن الانتحار لا يأتي من الاكتئاب وحده، بل من ألم داخلي حاد وانقطاع الروابط الاجتماعية.
أيضًا، إذا كان الشخص يعاني اندفاعية شديدة أو نوبات غضب متكررة، فقد يتحرك سريعًا من مجرد التفكير إلى المحاولة، خصوصًا إذا لم يتلقَ دعمًا نفسيًّا صحيحًا.

من أين يبدأ هذا الألم؟
في كثير من الحالات، يبدأ هذا الوجع النفسي في مراحل مبكرة من الحياة، خصوصًا عند من تعرضوا لـ:
• الإهمال العاطفي.
• العنف أو الإساءة في الطفولة.
هذه التجارب تترك أثرًا نفسيًّا طويل الأمد، يجعل الشخص أكثر عرضة للألم الداخلي لاحقًا، وأكثر ضعفًا أمام فكرة الانتحار.

كيف نساعد؟
الوقاية من الانتحار لا تبدأ فقط في العيادات أو الطوارئ، بل في البيت، في المدرسة، في الحديث العادي.
• أهم خطوة هي أن نسمع بصدق، من دون أحكام.
• أن نمنح الشخص شعورًا بأنه ليس وحده، وأن ألمه مفهوم ومُعترف به.
• كما أن وجود خطة يسيرة لمواجهة الضغوط، مثل التفكير المسبق في خطوات التهدئة أو طلب المساعدة، يمكن أن تنقذ حياة.

الخاتمة
حين يصل الإنسان إلى مرحلة لا يحتمل فيها داخله شيئًا، لا يكون بحاجة إلى محاضرات أو نصائح جاهزة، بل إلى من يصغي بصدق. فالانتحار لا يدل دومًا على ضعف، بل كثيرًا ما يكون صرخة صامتة من شخص أنهكه الألم، وتحمَّل بصمت أكثر مما يحتمل. مسؤوليتنا أفرادًا ومجتمعًا أن نصنع بيئة آمنة تسمح بالكلام قبل أن يتحوّل الصمت إلى قرار، وأن نُشرّع أبواب الحديث عن الألم قبل أن يُصبح الانتحار احتمالًا حقيقيًّا. ففي أحيان كثيرة، قد تكون كلمة تعاطف واحدة هي الفاصل بين حياة وموت.

 

مصدر1 مصدر2 مصدر3 مصدر4 مصدر5 مصدر6 مصدر7 مصدر8 مصدر9